الشيخ محمد رشيد رضا

495

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وقد وفى الحسن رحمه اللّه المسألة حقها من البيان بذكر ما يتعلق بها وإن نزل بعدها بسنين كآية الأنفال الآخيرة ولكنه لم يبين معنى هذه وهو بيان سنته تعالى في الفتن تصاب بها الأمم لا تصيب الذين ظلموا منهم وكانوا سبب العذاب المترتب عليها خاصة ، بل تحل بهم وبمن لم يمنعهم عن الظلم ولو عجزا ، بل ظاهر الرواية مخالف لظاهر الآية في هذا ولعله محرف واعلم أنه ورد في هذا المعنى أحاديث أخرى منها انه ( ص ) دعا ربه أن لا يهلك أمته بتسليط عدوّ عليهم من غير أنفسهم ولا بالسنة العامة أي المجاعة والقحط ولا بالغرق ولا بما عذب به الأمم قبلهم كالريح والصيحة والرجفة . وقد أورد هذه الأحاديث الحافظ ابن كثير في تفسير هذه الآية والسيوطي في الدر المنثور وقد استشكل هذه الأحاديث العلماء بما ورد من الأحاديث المتعددة من الطرق المختلفة في إثبات وقوع الخسف والمسخ والقذف في هذه الأمة ، وأمثل ما أجابوا به عنها هو أن ما دعا به النبي ( ص ) انما هو عدم هلاك أمته كلها بما ذكر كما هلكت عاد وثمود وقوم لوط وغيرهم ، ووقوع شيء من ذلك في بعض الأمة لا ينافي استجابة الدعاء ، فان منه الموت غرقا أو جوعا وقد وقع لكثير من الأمة حتما . ثم حدث لهذه الأمة في الأجيال الأخيرة ما هو أولى بالاشكال ، وأحوج إلى مثل هذا الجواب ، وهو تسليط الأعداء عليها المعارض لما ورد في هذا الباب ، وأصحه ما رواه مسلم من حديث ثوبان قال قال رسول اللّه ( ص ) « إن اللّه زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها « 1 » وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها ، وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض ، واني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة عامة وأن لا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم « 2 » وإن ربي قال يا محمد إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد ، واني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة وأن لا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من بأقطارها - أو قال من بين أقطارها - حتى يكون بعضهم يهلك بعضا ويسبي بعضهم بعضا »

--> ( 1 ) زوى الشيء يزويه قبضه وجمعه والمعنى أنه كشفها له وأطلعه عليها ( 2 ) يكنى بالبيضة عن وضع سلطة القوم وملكهم وعن عزهم ومستقر قوتهم وما يحمون من حقيقتهم